قبل نحو قرن من الآن أعلن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عن توحيد جميع مناطق الحجاز والجزيرة العربية تحت أسم "المملكة العربية السعودية"؛ ولم يكن ذلك مجرد إعلان ميلاد أمة فحسب، بل كان في نفس الوقت بداية تاريخ من العلاقات الثقافية والديبلوماسية والاقتصادية بين المملكة وبلاد شنقيط.
وحتى قبل ميلاد موريتانيا الدولة فتحت السعودية صدرها الرحب لأفواج من المهاجرين الشناقطة، تعددت أسباب هجرتهم بين عوامل داخلية (فرارا بدينهم وثقافتهم من المحتل الفرنسي) وأخرى وجدانية (تعلق أفئدتهم بالحرمين الشريفين ورغبة في الزيارة والجوار)؛ حين اختارت مجموعة من نخبة البلد من علماء وأئمة أن يجعلوا المدينة مهجرا لهم والسعوديين أنصارا. فكانت النتيجة استقرار أجيال من الشناقطة بالمملكة؛ مساهمين في نهضتها الثقافية والعلمية؛ ناقلين موسوعية المحظرة الصحراوية إلى أروقة المساجد والمنابر والمدارج الجامعية، ليصبح الشنقيطي مثالا للعالم المجتهد والمفتي المجدد.
وبعد قيام الدولة الوطنية سارعت المملكة العربية السعودية وعلى أعلى مستويات القيادة إلى المساهمة في مختلف عمليات التنمية للدولة الناشئة، والتي هي أحوج ما تكون إلى أشقائها العرب تلك الفترة، فكانت زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز التاريخية شهر نوفمبر من عام 1972 خير دليل على تلك العناية وذاك الاهتمام؛ وبعدها مباشرة شرعت الأيادي البيضاء في التشييد العمراني والدعم التعليمي والثقافي؛ فتم إنشاء المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية كمؤسسة تعليم عال تجمع بين الطابع المحظري والتعليم الجامعي العصري، تلاه افتتاح فرع لجامعة محمد بن سعود الإسلامية تحت مسمى المعهد السعودي، ليستقطب أفضل طلاب المحاضر الشناقطة أولا، قبل أن يتحول إلى قطب تعليم إقليمي لطلبة غرب إفريقيا.
أما في المجال الديني فقد أمر الملك فيصل أيضا ببناء مسجد جامع كبير في العاصمة انواكشوط، سمي جامع المدينة المنورة، كما عرف بجامع الملك فيصل أيضا، ليصبح منارة دينية وصرحا معرفيا بمحاضراته الموسمية ودروسه الفصلية، ليكون المركز الثقافي السعودي رابع المعالم الثقافية السعودية بموريتانيا؛ تعرف من خلاله الموريتانيون على عيون الثقافة العربية والإسلامية بتوفيره أهم وأحدث الإصدارات العلمية من كتب ومجلات.
ومع هذه المساهمات المبكرة لم تتوقف المملكة عن مد يد العون لموريتانيا كلما احتاجت لذلك؛ حيث شكلت تدخلات الصندوق السعودي للتنمية أحد روافد النهضة الحضرية للبلد؛ فقد مكنت هباته وقروضه الميسرة من تنفيذ عديد المشاريع الحيوية في مجالات الطرق والمياه والمعادن؛ مما سمح لموريتانيا بمراكمة التجارب التنموية والبناء عليها.
هذا فضلا عن تدخلات المملكة ذات الطابع الاجتماعي والإنساني؛ وذلك عبر دعم جهود المجتمع المدني وجمعيات العمل الخيري ومشاريع التعليم الديني بما ساهم في التخفيف من المشاكل اليومية للمواطن الموريتاني من جهة، وتحسين مستواه الثقافي من جهة ثانية.
ولا زالت المملكة تواكب المسيرة التنموية لموريتانيا من خلال المشاريع العملاقة قيد التشييد؛ مثل مستشفى الشيخ سلمان الذي من المنتظر أن يكون من أكبر وأهم المشاريع الصحية في تاريخ موريتانيا، مجسدة بذلك أفضل نموذج للتعاون الثنائي بين الأشقاء.





.jpg)

