طنجة التي رأيت/ المختار بابتاح

اثنين, 2026-07-13 23:03

من بين المدن القليلة التي يصعب أن تغادرها كما دخلتها، كانت طنجة.

ذهبت إليها ذات سباحة وأنا أحمل عنها ما قرأته في كتب التاريخ، وما سمعته في حكايات المسافرين، لكنني عدت منها بصورة أخرى تماما؛ صورة مدينة لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تصر على أن تقنعك بأن التنمية يمكن أن تكون لها روح، وأن البحر يمكن أن يكون أكثر من مجرد حدود جغرافية.

طنجة ليست مدينة تتزين لزوارها، وإنما مدينة تعمل. وهذا أول ما يلفت انتباه القادم إليها.

في شوارعها حركة لا تعرف الفوضى، وفي عمرانها انسجام بين القديم والجديد، وفي تفاصيلها حضور واضح لدولة تعرف ماذا تريد من هذه المدينة، وماذا تريد لهذه المدينة أن تكون.

شدني ميناء طنجة المتوسط أكثر من أي شيء آخر.

هناك، لا ترى رصيفا بحريا فحسب، وإنما ترى مشروعا بحجم وطن. ترى آلاف الحاويات تتحرك في صمت، وسفنا عملاقة تأتي من أقصى الشرق وأقصى الغرب، فتدرك أن المغرب لم يبن ميناء ليستقبل السفن، بل بنى بوابة اقتصادية للعالم، ونجح في تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر قوة ونفوذ. لقد أصبح ميناء طنجة المتوسط أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومركزًا لوجستيًا يربط عشرات الموانئ عبر العالم، في تجربة تنموية لافتة. (⁠الشروق ميديا)

وقفت طويلا أراقب حركة السفن، وتساءلت بيني وبين نفسي: كم من الأفكار الكبيرة تبدأ بحلم صغير؟ وكم من الدول امتلكت الموقع نفسه، لكنها لم تمتلك الرؤية نفسها؟

ذلك هو الفرق.

فالمدن لا تصنعها الطبيعة وحدها، وإنما تصنعها الإرادة أيضا.

ولأن طنجة مدينة بحر، فقد تعلمت من البحر الانفتاح. لا تشعر فيها بالغربة مهما اختلف لسانك أو بلدك، فالمدينة تبدو وكأنها اعتادت استقبال العالم منذ قرون، ولذلك بقيت محافظة على هدوئها رغم كل هذا الزخم.

أما المدينة القديمة، فهي صفحة أخرى من الحكاية. أزقتها الضيقة، وأبوابها العتيقة، ومقاهيها المطلة على البحر، كلها تهمس للزائر بأن الماضي هنا لم يمت، وإنما يعيش إلى جوار الحاضر دون صراع.

ولعل أجمل ما في طنجة أنها لم تجعل التنمية خصما لذاكرتها، ولم تجعل الحداثة سببا في التخلي عن هويتها. وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي تفشل فيه مدن كثيرة.

وأنا أغادرها، لم أفكر في عدد الصور التي التقطتها، ولا في الأماكن التي زرتها، بل فكرت في الدرس الذي قدمته لي هذه المدينة.

لقد علمتني طنجة أن الجغرافيا وحدها لا تصنع المجد، وأن الموانئ لا تتحول إلى مراكز عالمية بالصدفة، وأن المدن التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع أن تفرض اسمها على خرائط العالم مهما كان حجمها.

ولهذا، عندما يسألني أحدهم عن طنجة، لن أحدثه عن بحرها فقط، ولا عن كورنيشها، ولا عن أسواقها، وإنما سأحدثه عن مدينة آمنت بنفسها، فآمن بها العالم.

تلك… هي طنجة التي رأيت.

اقرأ أيضا