إطلاق سراح السجناء الجهاديين في موريتانيا.. هل تنجح الدولة في كسب معركة ما بعد السجن؟

أحد, 2026-06-21 02:20

 

أعاد إعلان لجنة الحوار مع السجناء السلفيين في موريتانيا عن توصيتها بإطلاق سراح عدد من السجناء الجهاديين الذين أكملوا مراجعاتهم الفكرية وأعلنوا توبتهم، الجدل حول واحدة من أكثر المقاربات الأمنية والفكرية إثارة للاهتمام في منطقة الساحل الإفريقي.

فعلى خلاف العديد من الدول التي اعتمدت المقاربة الأمنية الصرفة في مواجهة التطرف، اختارت موريتانيا منذ سنوات الجمع بين الحزم الأمني والحوار الفكري والديني، في تجربة أصبحت محل متابعة من قبل الباحثين والمتخصصين في قضايا مكافحة الإرهاب.

وقد جاء هذا التوجه بعد سنوات من المواجهات الدامية التي شهدتها البلاد خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، عندما نفذت جماعات متشددة هجمات استهدفت مواقع عسكرية وسياحاً أجانب، ما دفع السلطات إلى مراجعة أدواتها في التعامل مع الظاهرة.

واليوم، وبعد أكثر من عقد على إطلاق برنامج الحوار مع السجناء المتطرفين، تبدو السلطات مقتنعة بأن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن تفكيك البنية الفكرية للتطرف يمثل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية ناجحة لمكافحة الإرهاب.

ويرى المدافعون عن هذه المقاربة أن الحوار الذي قاده علماء ومشايخ موريتانيون أسهم في إقناع عدد من السجناء بالتخلي عن أفكار التكفير والعنف، كما ساعد على بناء قناعة لدى بعضهم بضرورة الاندماج في المجتمع والابتعاد عن التنظيمات المتشددة.

لكن هذا التوجه لا يخلو من المخاوف والتحديات، إذ يطرح الرأي العام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المراجعات الفكرية وحدها على منع الانتكاسة والعودة إلى الفكر المتطرف، خاصة في ظل التحولات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، وانتشار الجماعات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

كما أن نجاح أي عملية إفراج يبقى رهيناً بوجود برامج متابعة وإدماج فعالة، تشمل التكوين المهني والدعم الاجتماعي والنفسي والمرافقة الدينية المستمرة، بما يساعد المفرج عنهم على بناء حياة جديدة بعيداً عن مسارات التطرف.

وفي الواقع، فإن التحدي لا يتعلق فقط بإطلاق السراح، بل بما بعده. فالمجتمع مطالب بدوره باستيعاب هؤلاء الأفراد وعدم دفعهم نحو العزلة أو التهميش، لأن الشعور بالإقصاء غالباً ما يشكل بيئة خصبة لعودة الأفكار المتشددة.

وتشير التجارب الدولية إلى أن إعادة الإدماج الناجحة تمثل الحلقة الأكثر أهمية في مسار مكافحة التطرف، إذ إن الفشل في هذه المرحلة قد يؤدي إلى ضياع الجهود التي بذلتها الدولة والمؤسسات الدينية والأمنية طوال سنوات.

وبين مؤيد يرى في القرار انتصاراً لنهج الإصلاح والحوار، ومتحفظ يخشى من تداعياته الأمنية المحتملة، تبدو موريتانيا أمام اختبار جديد لمقاربتها التي طالما قدمتها باعتبارها نموذجاً يجمع بين الأمن والفكر والتنمية.

ومهما اختلفت الآراء حول القرار، فإن المؤكد أن نجاحه أو فشله لن يقاس بلحظة الإفراج نفسها، بل بما سيحدث بعد ذلك: هل يتحول المفرج عنهم إلى قصص نجاح في الاندماج والمصالحة مع المجتمع، أم أن المنطقة المضطربة أمنياً ستعيد إنتاج دوائر التشدد من جديد؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبلاً مدى نجاعة المقاربة الموريتانية في مواجهة التطرف، ومدى قدرتها على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين حماية الأمن الوطني ومنح فرصة ثانية لمن اختاروا العودة إلى طريق الاعتدال.

 

 

المختار بابتاح

اقرأ أيضا