مثلث الفقر .. عندما تسرق المعاناة أحلام الطفولة

أحد, 2026-05-31 17:49
مثلث الفقر في الخريطة المويتانية

 

صدق أو لا تقصدق … في موريتانيا يشيب الولدان وتشيخ البنات تحت شموس القيظ الحارقة، ويولد الأطفال بعيدا عن الرعايات الصحية، فتتضاعف معاناتهم وهم يرون بؤس الحياة.

في موريتانيا تعيش أحياء منسية  في منكب من مناكب السهول البعيدة من حياة المدينة المسماة "آفطوط" بين ولايتي لبراكنة وكوركل، تلكم المنطقة التي عاشت وتعيش على الهامش بعيدا عن عدسات إلإعلام الرسمي والمستقل، هنالك حيث الفقر المدقع وحيث الجهل المنتشر، وحيث تسرق الطفولة البريئة وتقتل ببطء، هنالك حيث كنا شهودا على أيام من المعركة الأزلية بين الإنسان والطبيعة القاسية، تلكم المعركة التي يضطر الإنسان في أحد أيامها النحسات إلى التجنيد الإجباري لفلذات كبده.

اصطلح على تسمية هذه المنطقة الموريتانية بـ«مثلث الفقر» وبعيدا عن هذه الأحكام الجاهزة فإن التحقيق يقتضي تصوير الواقع كما هو بشكل ميداني ثم الرجوع إلى الإحصاءات الرسمية وربطها بهذه المنطقة.

 ففي هذا المثلث شاهدنا فتيات في مقتبل العمر لم يبلغن سن الرشد ومع ذلك سقف أحلامهن أن يغترفن غرفة  ماء بشق الأنفس من غدير ملوث لبقائهن على قيد الحياة. وفي ذاك المثلث أمهات يأتيهن الحمل فالمخاض فالولادة بعيداً عن أي رعاية صحية أو متابعة طبية.

والنتيجة المتراكمة لهذا الواقع الأسري البائس هي ولادة أجيال من الأطفال المتقاربين في العمر، ينشأون في أراضٍ قاحلة ومستنقعات راكدة، لا يعرفون من الحياة سوى هذه البرك الملوثة التي تشكل مصدر الماء الوحيد للمجتمع المحلي. 

 

إهمال الأم والطفل

زرنا مختلف مناطق مثلث الفقر في موريتانيا، وشاهدنا قرى وتجمعات سكانية بائسة ينهشها العطش، والتقينا بنساء حوامل لم تطأ أقدام أي منهن مركزاً صحياً طوال فترة الحمل أو عند الولادة.

أما الأطفال فيكبرون دون أي متابعة طبية أو تلقيح أو رعاية صحية منتظمة. وهكذا تعيش الأمهات تحت وطأة الإهمال زيادة على معاناتهن أصلاً من الفقر المدقع. 

 

إحصائيات رسمية..

تشير بيانات الفقر متعدد الأبعاد إلى أن 56.9% من سكان موريتانيا يعيشون تحت وطأة أشكال مختلفة من الحرمان، غير أن هذه النسبة ترتفع بشكل لافت في الأرياف لتصل إلى 77.1%. وعند إسقاط هذه المعطيات على واقع "مثلث الفقر"، تتضح الصورة أكثر؛ فالسكان هنا معاناتهم مزدوجة وأشدها غياب المياه الصالحة للشرب، ونقص المرافق الصحية، ونقص الأقسام الدراسية.

ويدفع الأطفال الثمن أكبر في تلك التجمعات فوفق المعطيات المتاحة يعيش 61.9% من الأطفال الموريتانيين في ظروف حرمان متعددة الأبعاد، وهو ما يعني أن أكثر من مليون وثلاثمائة ألف طفل موريتاني يواجهون تحديات تمس صحتهم وتعليمهم ومستقبلهم. وتبدو هذه الأرقام أكثر واقعية عندما تزور أطفال المثلث المذكور وترافقهم وهم يتقاسمون المياه الراكدة مع المواشي والحيوانات البرية السائبة.  

إحصائيات مخيفة

أما النساء في هذه المنطقة وهن الحلقة الأكثر هشاشة داخل مثلث الفقر، فيواجهن ظروفاً استثنائية خلال الحمل والولادة. وتشير بيانات اليونسيف إلى أن 30% فقط من النساء في الأسر الأشد فقراً يحصلن على مساعدة صحية متخصصة أثناء الولادة. وفي مناطق مثل المثلث المذكور، تتحول الولادة في كثير من الأحيان إلى مواجهة مباشرة مع المجهول، حيث تضع النساء مواليدهن بعيداً عن القابلات المؤهلات والمراكز الصحية المجهزة.

وتنعكس هذه الأوضاع على المؤشرات الصحية الوطنية، إذ يبلغ معدل وفيات الأمهات في موريتانيا نحو 582 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة. غير أن هذا الرقم يكتسب دلالة أكثر قسوة داخل مثلث الفقر، حيث تتداخل العزلة الجغرافية مع الفقر ونقص الخدمات الصحية لتضاعف المخاطر التي تواجه النساء والأطفال على حد سواء.

وهكذا لا يمثل مثلث الفقر مجرد توصيف جغرافي لمنطقة مهمشة، بل يعبر عن واقع تنموي معقد تتقاطع فيه أزمات الماء والصحة والتعليم والفقر. فكل نسبة مئوية في التقارير الدولية تجد ترجمتها الحقيقية هنا: في فتاة تحمل قِربَ الماء مع طفلها على ظهرها بدل أن تحمل حقيبة مدرسية كما البنات والفتيات من قريناتها في المدينة، وتجد ترجمة التقارير المخيفة في  أم تواجه الولادة دون رعاية طبية، وفي طفل يبدأ حياته وسط ظروف تهدد مستقبله منذ اللحظة الأولى.

 

فتيات قاصرات في كدح لا ينتهي

الفتاة (ش ب ع) واحدة من عشرات القصص التي تعكس حجم الإهمال الذي تعانيه الفتيات في هذه المنطقة.

ففي سهول آفطوط القاحلة أحياء بائسة متعددة مثل (لمبيديع، ووادي لمبيزير)، تتكرر الحكاية ذاتها دون أن تثير الدهشة لدى أحد.

(ش ب ع)  فتاة لم تبلغ سن الرشد بعد، لكن لياليها الطويلة وأيامها الشاقة تجعل عمرها يبدو أكبر بكثير من سنواتها الحقيقية. تعيش في عمل متواصل من أجل البقاء، وتحمل في قلبها أملاً بعيداً بحياة أفضل. 

لقد سرقت منها شموس المثلث الحارقة طفولتها،. وتركت الرياح الرملية آثارها على ملامحها، وحفرت سنوات الشقاء المبكر تجاعيد على وجهها الصغير وتشققات عميقة في قدميها الحافيتين ومع ذلك، فهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها. 

يشربون من هذه المياه الملوثة

حين تنظر إلى يمينها لا ترى سوى كوخ متهالك، وحين تنظر إلى يسارها ترى الشمس تنعكس على مياه راكدة تدوسها الماشية يومياً.

ولدت السيدة المذكورة (أخفينا اسمها ووجهها  حفاظا على خصوصيتها وخصوصية الطفل الموجود معها) في أحياء المثلث وسط تجمعات بورات الفقيرة، وتنتمي إلى أسرة معدمة مثل معظم سكان هذه المناطق المنسية.

وحياتها ليست سوى سلسلة متواصلة من الكفاح في منطقة أصبح الطفل فيها، تحت ضغط الحرمان وقسوة الفقر، ينافس الحيوانات على قطرات الماء الملوث على بعد كيلومترات من منزله. 

 

رحلة يومية بحثاً عن ماء ملوث

ما إن تشرق الشمس وتتراءى أشعتها من بين فجوات الطلح  حتى تشمر (ش ب ع) عن سواعدها وتتوكأ على عصاها وتشد عربتها على الحمار آخذة معها ما يقارب عشرين جالونا إلى وادي السقاية، حتى إذا ما وصلت إلى الغدير الراكد قرب سد "امبيزير" تنزل عن العربة حافية القدمين تماما مع طفل شقيقها، تدلي بدلوها عدة مرات فيأتيها طين داسته أقدام الماشية لأيام عديدة، أجبرتها الحياة أن تشرب منه مرات قبل أن تصبه في البراميل.

وهكذا تقوم البنت بالإدلاء المتواصل حتى تعبئ كل أوانيها ثم تحمل الثقال بشق النفس والجهد الجهيد إلى أعلى العربة وتعود بالحمير إلى أهليها .

رحلة كد لا تتوقف ضحيتها البنات والأطفال

لقد اشتد عليها الحال المستمر منذ أن تراءت لها أنوار الحياة، وما تحلم به (ش ب ع) أن تعيش كما تعيش فتيات العالم آملة أن يأتي يوم وقد تحولت هذه المآسي إلى ذكريات وقصص من الماضي، تريد أن ترى يوم الراحة وقد أصبحت لديها حنفيات مستقلة حتى تعود إلى أنوثتها المسروقة ، إنها لم نعد  تتحمل هذا الشقاء تريد من ينقذ حياتها من الضياع والمرض المحتوم.

 

ماء بلون الأوساخ..

آبار وادي "امبيزير" هي مجرد حفرٍ صغيرة يتجمع فيها من الوحل الذي يحبس معه قليلا من الماء، لونه بين الصفرة والبياض، لكن فتيات الحي هنالك في آدوابه وأطفاله يردون  الماء بأي ثمن حتى ولو اختلط مع كل أوساخ الدنيا ودون أن يدركن ما تسببه هذه الأمراض لصحة الفتاة ومستقبلها الانجابي.

عمل البنات والأطفال الشاق لا يتوقف هنا

صرخة

هكذا تعيش بنات الحي، وهكذا يعيش أطفاله، ويحتاجون جميعا الى لفت أنظار الجهات الرسمية والى المنظمات الأممية أن تنظر لمعاناة هؤلاء الأطفال وحياة أمهاتهن  اللائي يعانين من شرب المياه الآسنة ومن الإهمال الصحي كأمهات حوافي الأقدام وبالخصوص الحوامل منهن والا فان الكوارث المتلاحقة ستحل بهن والتي أقلها أمراض النساء التي قد تتسبب في توقفهن مستقبلا عن الإنجاب كما تعرضهن لفقد أجنتهن وأطفالهن الرضع. 

من هذه الأحياء الفقيرة حق لنا أن ندق ناقوس الخطر من داخل أحياء هامشية  ضحية عقود من النسيان، حق لنا أن ننادي بإنقاذ الطفولة الضائعة في سهول "آفطوط" الجرداء وذارياتها الشهباء حتى يضع الأطفال والأمهات حياة تتناسب مع متطلبات العصر وضرورات الحياة مثل الماء والصحة والتعليم.

 

 

   مع الفتاة (ش ب ع) وطفل شقيقتها في الغدير الملوث         

 

المختار بابتاح ـ مثلث الفقر ـ جنوب شرق موريتانيا

اقرأ أيضا