الناها بنت مكناس … الوزيرة الصارمة في صمت (بورتريه 3))

اثنين, 2026-04-20 01:40

في سلسلة “بورتريه الحكومة”، التي نحاول خلالها  قراءة ملامح الشخصيات الفاعلة داخل السلطة  بعيداً عن الأحكام الجاهزة، تأتي هذه الحلقة الثالثة لتسلط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً بهدوء داخل المشهد الحكومي وزيرة الإسكان الناها بنت حمدي ولد مكناس

بداية لا بد من ملاحظة أن الكتابة  عن المسؤولين تصعب فيها الموضوعية وغالبا ما تكون بمراقبة أعمالهم  عن بُعد، ولكن في بعض الأحيان تصنع التجربة المباشرة زاوية نظر مختلفة. هكذا كانت معرفتي بالوزيرة الناها بنت مكناس، حين كلفت بحقبة التجارة،والصناعة والسياحة  حيث تابعت عن قرب أسلوبها في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ضبط السوق ومحاربة المضاربات خلال أزمتي كورونا والكركارات..

في تلك الفترة، لم يكن المشهد سهلاً؛ تجار مضاربات يتحكمون في الأسعار، وسوق يتأرجح بين الندرة والفوضى. لكن ما لفت الانتباه هو الطريقة التي أدارت بها الوزيرة المعركة: قرارات حازمة، حضور ميداني، ورسائل واضحة بأن الدولة لن تترك السوق رهينة لجشع الوسطاء. لم تكن المواجهة خطابية، بل كانت إجراءات ميدانية صارمة أعادت شيئاً من التوازن، ورسخت صورة مسؤولة لا تتردد في كسر احتكار السوق.

من هذه الزاوية، يمكن فهم بقية مسار الناها بنت مكناس داخل الحكومات السابقة واللاحقة لتلك التجربة؛ فالشخصية التي واجهت لوبيات السوق في تلك المرحلة، هي نفسها التي واصلت العمل بهدوء في مواقع مختلفة، محافظة على أسلوبها القائم على الفعل لا الضجيج.

 

امتداد لإرث سياسي راسخ

تنتمي الناها بنت مكناس إلى بيت سياسي عريق، فهي ابنة الوزير والسياسي المخضرم حمدي ولد مكناس، أحد أبرز رجالات الدولة في موريتانيا. غير أن هذا الامتداد لم يكن مجرد انتماء عائلي، بل شكل مدرسة سياسية مبكرة، مكنتها من فهم آليات الدولة وتعقيداتها.

ومع ذلك، لم تكتفِ بهذا الإرث، بل حرصت على بناء مسارها الخاص، القائم على الكفاءة والنتائج، لا على الرصيد الرمزي فقط.

 

عنصر ثابت في حكومات متغيرة

في المشهد السياسي الموريتاني تتسم الحالة بالتقلبات واتهامات الأنظمة لأسلافها بالفساد تظل الوزيرة  الناها بنت مكناس حاضرة في مواقع القرار، وهو ما يعكس قدرتها على التكيف، وثقة صاحب القصر في كفاءتها. لم يكن حضورها في المشهد المتغير عابرا ، بل نتيجة تراكم تجربة في إدارة ملفات دقيقة تتطلب التوازن بين السياسة والإدارة بالإضافة إلى قوتها الناخبة في موريتانيا وخاصة مناطق الضفة التي تفرض فيها حضورها في كل المواسم الانتخابية..

 

نظافة اليد وسمعة بلا شبهة..

في بيئة كثيراً ما تُثار فيها قضايا الفساد، حافظت الوزيرة بنت مكناس على صورة نظيفة، بعيدة عن أي شبهات. لم يرتبط اسمها بملفات مثيرة للجدل مثل ملف العشرية وهو ما عزز مصداقيتها لدى الرأي العام، وجعلها تمثل نموذجاً للمسؤول الذي يجمع بين السلطة والنزاهة.

 

نجاح في إدارة الحقائب الوزارية

تنقلت الناها بنت مكناس بين عدة حقائب وزارية، وهي التي دخلت التاريخ كأول سيدة عربية تتقلد حقبة وزارة الخارجية ونجحت في ترك بصمة واضحة فيالدبفوماسية وتركت بعد ذلك بصمتها في  كل موقع تولته. اعتمدت مقاربة عملية في التسيير، واتخذت قرارات حاسمة في ملفات معقدة، ما أكسبها سمعة “وزيرة النتائج” أكثر من كونها وزيرة الخطابات.

 

بين إرث الأب وخيار الصمت

بين إرث سياسي ورثته عن والدها، ومسار اختارته بنفسها قائم على العمل الهادئ، رسمت الناها بنت مكناس ملامح شخصية حكومية مختلفة. فهي لا تبحث عن الأضواء، لكنها تحضر بقوة حين يتعلق الأمر بالقرار والتنفيذ.

في المحصلة، تقدم الناها بنت مكناس نموذجاً نادراً في المشهد السياسي: استمرارية عبر الأنظمة، نظافة في السيرة، وفعالية في الأداء، في زمن أصبحت فيه السياسة في كثير من الأحيان أقرب إلى الضجيج منها إلى الإنجاز

 

 

المختار بابتاح

 

اقرأ أيضا