هل من المصادفة اختيار ولد امدو ناطقا في زمن الأزمة؟

أربعاء, 2026-04-08 01:26

من سنن الله الكونية أن تمر الدول بالرخاء زمنا والشدة زمنا آخر، بالازدهار يوما والانحدار أياما، (من سره زمن ساءته أزمانُ) وتعرف قوة الدول وصلابتها بمدى ثباتها وصمودها في وجه الأزمات العارضة مثل الحروب والكوارث التي عصفت بعدة دول، ومن أهم أسباب الصمود ألسنة الدول الناطقة وشعراؤها الحماسيون ومغنوها المشجعون. 
فكان الملوك في عهد الجاهلية يتخذون خطباء وشعراء يحمسون الجيوش في وجه الأعادي المتربصين بهم، وكان أمراء هذه البلاد يجعلون من المغنين أبواقا ترفع حماسهم فيكون "فاقو" المقام الذي إذا أنشد للأمير لبس لامته وخرج إلى الهيجاء متحمسا.
الشاهد أن بلادنا تمر اليوم على غرار دول العالم كله بأزمة خانقة تمثلت في ارتفاع أسعار الطاقة ومشتقاتها بعد الحرب الإيرانية الأمريكية. 
كانت موريتانيا إذن بحاجة في هذه الأزمة الحالية إلى رجال يمتلكون "بوصلة" لا تخطئ، وقدرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى رسائل طمأنة وتكليف وزير يجمع يواجه الرأي العام ويجمع بين المصارحة والطمأنة، فهل فهم رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني منذ بداية مأموريته الثانية أن العالم مقبل فعلا على أزمات ويحتاج إلى ناطقين ينتمون للمرحلة، وألسنة تكون بمثابة همزة وصل بين رعية لا تتفهم تقلبات الأسواق العالمية وبين راعٍ استطاع أن يتجاوز أزمة "كوفيد19" بأقل الخسائر. 
هل فكر الرئيس غزواني وقدر فاستقر تفكيره على رجل قادم من أحضان الصحافة والدفاع عن قضاياها وهو الدكتور الحسين ولد مدو، والذي تحول في فترة وجيزة من ناطق باسم الحكومة إلى "رجل الأزمات الصعبة"؟ 

ثقة الرئيس..
لم يكن اختيار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للوزير الخطيب الحسين ولد مدو من فراغ؛ فالرئيس، المعروف بهدوئه وميله للعمل الصامت ، وجد في "ولد مدو" تكملة لذلك النهج الصامت.
تتجلى ثقة الرئيس في التفويض الواسع الممنوح للرجل، وفي اعتماده عليه كواجهة في أصعب المهام وهو إقناع الرأي العام بما يجري.
إنها ثقة بنيت على "دقة الأجوبة" التي يقدمها "الصحفي الوزير"؛ فهي أجوبة لا تبيع الأوهام، بل تقدم الحقائق والوقائع بميزان الذهب، مما جعل منه "اللسان الموثوق" الذي يعبر عن رؤية ساكن القصر الرمادي ويترجم قراراته بعيداً عن التلاعب بالكلمات الذي يعرف عادة عن وزراء الإعلام.

صلابة في مواجهة الأسئلة..
في آخر خرجة إعلامية كان أحد الصحفيين يقدم لسؤال فقال "فيه سجين رأي..." قاطعه وتحداه أن يسمي له سجين رأي في موريتانيا، ثم قال له تابع سؤالك.. 
وتوالت الأسئلة ‘على "الصحفي الوزير" عن الأزمة الحالية ومقاربات الدولة لها فكان منهج ولد امدو أن لا يتعامل معها بوصفها فخاخًا، بل يعتبرها جزءًا من الانفتاح على الزملاء السابقين،  فالرجل الذي تعود عقدين ونصف من تغطية  "أخبار نواكشوط" ومساءلة الوزراء السابقين،  جعلته الأيام لا يرتبك حتى مع من تستفزهم الأوضاع المعيشية المخيفة..
هذه القدرة على امتصاص الأسئلة دون توتر، منحته ثقة أفضلية واضحة؛ فهو لا يتهرب، ولا يصطدم رغم كثرة الاستفزازات المتفهمة من زملاء الأمس. 

بين الطمأنة والحقيقة..
في زمن الأزمات، يصبح الخطاب الرسمي أشبه بخيط رفيع بين الصراحة والطمأنة. وقد نجح ولد امدو إلى حد بعيد في تقديم خطاب يخفف القلق العام، دون أن يغرق في التهوين أو التهويل. فعباراته غالبًا ما تأتي موزونة، تحمل رسائل ضمنية بأن “الأمور تحت السيطرة”، حتى عندما تكون المعطيات معقدة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الطمأنة، بل في المحافظة على مصداقيتها على المدى الطويل بعيدا عن أسلوب "جوبلز" و"الصحّاف" المخادع للجمهور. فالجمهور، الذي بات أكثر وعيًا، لا يكتفي بالرسائل المهدئة، بل يبحث عن تفسير أعمق، وعن أفق واضح لما بعد الأزمة.

صدى الصدق السياسي..
يُحسب للرجل أنه يقدم نفسه امتدادًا لنهج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، القائم على الهدوء والابتعاد عن الخطاب الشعبوي. هذا التقاطع في الأسلوب يمنح الانطباع بأننا أمام “ثنائية منسجمة” بين رأس السلطة ولسانها.
فالوزير الخطيب يميل إلى العفوية بدل التكلف وهو ما يعزز الثقة لدى جزء من الرأي العام. لكن الصدق السياسي، كما يُعرف، لا يُقاس فقط بنبرة الكلام، بل بمدى تطابقه مع النتائج على الأرض.
ورغم ملاحظاتنا الكثيرة على ولد امدو والتي من أهمها ترك الحالة الإعلامية المستقلة في صورتها الحالية، واهتمامه فقط بالرسميين على حساب المستقلين إلا أننا نذكر له من باب الأمانة أن الرجل نجح كوزير بخطابه الانسيابي ولغته الجزلة خلال الأزمة الحالية، واستطاع  أن يتحول من مجرد ناطق رسمي إلى فاعل مركزي في إدارة الخطاب خلال الأزمة. هو لسان السلطة بما تحمله الكلمة من خفايا، لكنه أيضًا اختبار دائم لها؛ فكل كلمة يقولها لا تعكس فقط موقف الحكومة، بل تقيس منسوب الثقة بينها وبين المواطن.
وفي سياق دولي وإقليمي مضطرب، تبدو الحاجة ملحّة إلى صوت يجمع بين وضوح الحقيقة وهدوء الطمأنة. وهنا يبرز ولد امدو بوصفه رجل المرحلة، في زمن لا يحتمل الخطابات المرتبكة ولا الوعود الفضفاضة، بل يحتاج إلى لسان مكاشفة قادر على قول ما يجب أن يُقال، بالقدر الذي يطمئن دون أن يُضلل.
وبين هذه المعادلة الدقيقة، يراهن نظام ولد الغزواني على استمرار هذا التوازن؛ توازنٌ قد يكون هو مفتاح العبور الآمن من أزمنة أخافت العالم أجمع إلى زمن البشارات السياسية. 

المختار بابتاح

اقرأ أيضا