لم تعد "قضية" ولد عبد العزيز تحمل أي ألَق خاص، ولم تعد تستجيب لتطلعات شعب تزداد حيرته كلما تأكد أن وراء الملف تصفية حسابات ضيقة، نجد تفسيرا لها في موازين الصراع على السلطة أكثر من كونها تعبّر عن تصرف من صميم العدالة العادية.
لا شك أن الجمهور كان مبهورا، في الوهلة الأولى، بمحاكمة رئيس سابق، ليس لأن الأمر يتعلق بشخص ولد عبد العزيز، بل لأن الشعب، كل الشعب، مسكون بثأر تاريخي تجاه كل الرؤساء على اعتبار أنهم يمثلون، في المخيلة الجمعية، أصناما للوهم المتعنت ومجسمات للظلم الكنود. فمحاكمة أي رئيس، تُعتبر، بالنسبة لعموم وعوام الشعب، تشفيا وانتقاما من الدولة، أيا كان الرئيس المعني. لذلك سكت جل الناس وهلّلَ جزء منهم لمحاكمة ولد عبد العزيز، مدفوعين بغريزة الانتقام من الدولة كأداة استُخدمت، على مر تاريخ موريتانيا، لتقتيلهم، وتعذيبهم، وتجويعهم، وتشريدهم، وتكميمهم، واغتصاب حريتهم، ونهب ثرواتهم.
واهِمٌ من يعتقد أن صمت الشعب حيال محاكمة ولد عبد العزيز، ومساندة بعضه للإجراءات المتخذة ضده، رغم المبررات الواقعية والمشروعة لمعارضة نظامه، كانت حقدا على شخصه، فالأمر ليس أكثر من "قِصاص" نفسي، غير مباشر، لأن "إهانة" رئيس موريتاني، أيا كان، تصادف هوى في نفوس الحاقدين على دولة ما انفكت، وما فتئت، ولم تزل تمارس ضد شعبها أنواع الحيف والاحتيال والكذب والتجبر والتلصص والاقصاء.
لا أنا كنت، ولا أنا أصبحت مع مسلكيات وتسيير ولد عبد العزيز، رغم الاعتراف له بإنجازات ملموسة لا ينكرها غير كفيف ضرير، لكنني أعارضه بقدرما عارضتُ وأعارض كل رئيس طغى ومكّن سفهاء "موالاته" ومقرّبيه من زمام ثرواتنا وحقوقنا، فبددوها في مراقص المومسات، وبنوا منها القصور في "مغارب" الأرض، وصنعوا منها رجال الأعمال ونساء "الإعمال".
والحقيقة أن "مسلسل المحمديْن" شاخ وتجعّد، ولم يعد ثمة متابعون لحلقاته المملة، لأنها لم تعد تعني للجمهور أي شيء، فزخمها تآكل من تلقاء نفسه وعصفت به ريح تصفية الحسابات العاتية.
كم هو غبي أهبل من يعتقد أن ولد عبد العزيز يتحمل، لوحده، جريرة وإثم نظام متواصل، مستديم، متقوقع على نفسه من 1960 إلى 2026: نفس الأسَر، يعوّض المولودُ فيها الميتَ منها، نفس الطبول، نفس ملتمسات التأييد، نفس المزامير، نفس المبادرات السياسية، نفس الطنطنات، نفس الأطر، نفس الوجهاء، نفس التسيير المحكوم بفلسفة الصعاليك، نفس أنماط الاختلاس، نفس المدّاحة، نفس الأهازيج، نفس الأكاذيب، نفس الاستراتيجيات السخيفة، نفس السياسات المرتجلة، نفس الماضي الزنيم القاطن في حاضرنا المُشَوّه.. ديمومة لا تنتهي من المدنيين الحاملين فكرًا تَعَسْكَرَ فتلف، فنفق، فانْدَرَس، أو العسكريين اللابسين فضفاضاتنا تمويهاً وإفكاً وكفراناً.
إن محاكمة الرئيس السابق، محمد ولد عبد العزيز، كانت ستكون إيجابية وسابقة تاريخية عظيمة لو أنها أسفرت عن محاكمة كل القادة الموريتانيين الأحياء المتلبسين بجريمة اختلاس المال العام، من الرؤساء، إلى الوزراء، والجنرالات، فالأمناء العامين، والمديرين، والمصرفيين، والقوّادة، والمورّدين، وصولا إلى المهربين من البرلمانيين وتجار الموت البطيء. لكن ذلك لم يحدث، ولا هو سيحدث بسبب تشابك غريب ومعقد بين اللوبيات النفعية العسكرية والسياسية والأمنية والقبلية والقضائية...
ذات مرة، ودون سعي مني، تشرفتُ بلقاء كريم بالرئيس الحالي، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. وخرجت من لقائنا الخاطف معجبا بخلقه الرفيع وأدبه الجم وطبعه المرن. غير أنني لم أفهم، والحال هذه، أنه ما يزال يواصل استهداف صديق فقَدَ السلطة كلها، وفقَدَ الأطر كلهم، وأخيرا فقَدَ والده الأعز والأغلى في حياته!!.. قد يضرب الرئيسُ، أو من يحللون له، عرضَ الحائط بهذا البعد الأخلاقي البحت، غير أنه يبقى من حقنا أن نتساءل: إذا كان زخم هذا الملف قد ضاع إعلاميا وسياسيا، وكان الرئيس الحالي قد قلّم كل ما تبقى من أظافر السلطة والأطر لدى ولد عبد العزيز، وتأكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن الجمهور العريض فهم أن "ملف العشرية" ليس شفافا وليس شاملا، وأن الشركاء الحقيقيين والمفترضين تمت غربلتهم من داخله بإتقان مُحْكم وبانتقائية سافرة، فماذا ينتظر ليترك الرجل يعيش بسلام مثل كل المشتبه بهم من الحاكمين والقادة والوزراء والمديرين...!؟. إننا ما زلنا نطالب بالمُضي في محاكمة العشرية، وتمكين كل المتهمين من التمتع بقرينة البراءة ما لم تثبت إدانتهم. لكننا لا نطالب بالمضي فيها إلا شريطة أن تكون عادلة وشاملة وغير انتقائية، وهو الأمر الذي بدا أنه مستحيل، وبالتالي فإن تجاوز هذا الملف أصبح ضروريا لإحقاق الحق والكف عن إهانة رئيس سابق نظل مطالبين، جميعنا، باحترام مكانته ورمزيته ووضعيته الصحية والنفسية والانسانية.
لقد أصبح ملف ولد عبد العزيز أحد عوامل إرباك المشهد في موريتانيا. إن تركيز الرئيس والأمن عليه، يؤدي إلى تشتيت انتباههما عن عوامل التخلف الاقتصادي وما يتهدد البلاد من آفات أخرى كالسلم المدني الهش أمام اشتعال نار الفئوية والعرقية، وكالجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، والحدود المضطربة. فبالنظر إلى مآلات هذه المحاكمة "المتناقضة"، وما يحيط بها من تشتيت انتباه الدولة وصرف نظرها عن المعضلات الكبيرة والتحديات الحقيقية، بما فيها تداعيات تصدير الغاز وما تسفر عنه، عادة، من عدم استقرار ومن تفكك ناتج عن تدفق المهاجرين والمهربين وأطماع القوى الأجنبية، يكون من البديهي أن "ملف ولد عبد العزيز" أصبح اليوم أكبر معضلة تتهدد الدولة لأنها تعميها عن الأهم والملحِّ والداهم من المخاطر المحدقة. وإذا ما انضاف هذا البعد على البعد القائم على مبدأ الإنصاف والإنسانية واحترام القيّم والرموز الوطنية، يكون من المستعجل والمنطقي إطلاق سراح الرجل عاجلا. وإلا فإننا نخشى أنه ثمة عجز جلي في التفكير.





.jpg)

